عبد العال سالم مكرم
108
من الدراسات القرآنية
النازلة فيها ، وترتيب مكيها ومدنيها ، ومحكمها ومتشابهها ، وناسخها ومنسوخها ، وخاصها ، وعامها ، ومطلقها ، ومقيدها ، ومجملها ، ومفسرها . ومما لا ريب فيه أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب ، ولغة العرب في هذه الفترة من التاريخ كانت مضرب المثل في رصانة الألفاظ ، وبلاغة المعاني ، وقوة التراكيب . وقد برزت خصائصها كاملة في الشعر العربي مما جعل بعض العلماء يقول : « ولو وجد أرسطو في شعر اليونان ما يوجد في شعر العرب من كثرة الحكم والأمثال ، والاستدلالات ، واختلاف ضروب الإبداع في فنون الكلام لفظا ومعنى ، وتبحرهم في أصناف المعاني وحسن تصرفهم في وضعها ، ووضع الألفاظ بإزائها ، وحسن مآخذهم وتلاعبهم بالأقاويل المخيلة كيف شاءوا - لزاد على ما وضع من قوانين الشعر » . ومع قوة اقتدارهم في فنون القول تحداهم القرآن الكريم أن يأتوا بمثله ، أو بعشر آيات منه ، أو بأقصر سورة من سوره ، فعجزوا بعد أن حاولوا ، وصدق اللّه العظيم حين يقول : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . ومما لا شك فيه أن هذا يدل على أن كلام اللّه لا يشبهه كلام في مجال الفصاحة والبلاغة ، والتصرف البديع ، والمعاني اللطيفة ، والفوائد الغزيرة ، والحكم الكثيرة ، والتناسب في البلاغة ، والتشابه في البراعة . ولنا أن نتساءل : هل القرآن الكريم الذي بلغ هذه الذروة في فصاحة الكلمة وبلاغة المعنى يفهمه العرب جميعا ، ولا يحتاجون في مجاله إلى بيان أو تفسير ؟ وللإجابة عن هذا السؤال أقول : إن من المفكرين العرب من يرى هذا الرأي كابن خلدون الذي نص في مقدمته على : « أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم ، فكانوا كلهم يفهمونه ، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه » . وفي رأيي أن ابن خلدون تجاوز الحقيقة في هذا الرأي ، وذلك لما يأتي : 1 - لغة العرب لم تكن ممثلة في لهجة واحدة ، حقا قال الرواة : إن القرآن الكريم نزل